اسماعيل بن محمد القونوي
343
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بالختم والتغشية فالأولى أن يقال إنهم لما استعدوا لذلك استعدادا ما جعلوا كأنهم حصل لهم ذلك نظيره ما قرره المصنف في تفسير قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] وإنما احتجنا إلى هذا التكلف لأن الهز والتنشيط لا يوجدان بدون الحركة والنشاط من الفرق الثلاثة إلا أن يرتكب المجاز فحملنا وجودهما في الفريقين على طريق الاستعارة إما لتشبيه المعد له بالغاية المطلوبة أو لتشبيه المعد بالمغيا وهذه الاستعارة شائعة في العرف فإنهم إذا رأوا رجلا قويا جسيما يقولون هذا مخلوق للمضارعة كذا حقق في تلك الآية الكريمة وقيل من أنه أشار باختيار الهز والتنشيط إلى أن حصول الاهتزاز والنشاط غير لازم فإن اللازم في طريق البلاغة إفادة المتكلم ما يقتضيه سواء حصل أو لم يحصل فضعيف لأنه إن سلم صحة ذلك في غير الباري تعالى فلا يصح في شأنه تعالى وكذا ظهر ضعف القول بأنه يكفي للنكتة الوجود في البعض إذ لو تم ذلك لما احتجنا التوجيه في تلك الآية الكريمة لوجود العبادة في بعض المخلوقين من المؤمنين . قوله : ( واهتماما بأمر العبادة وتفخيما لشأنها ) وهذه نكتة خاصة بالمقام . قوله : ( وجبرا لكلفة العبادة بلذة المخاطبة ) علة للإقبال عليهم بالخطاب لا الالتفات فإن خطاباته تعالى كذلك سواء كانت على سبيل الالتفات أو لا فلا تكون هذه النكتة من النكت الخاصة بالمقام للالتفات بل هي نكتة للخطاب المعتبر في ضمن المجموع وحده والكلفة المشقة جمعها الكلف كغرفة وغرف والجبر التكميل والإرداف بما يزيل الأمر الشاق ولا ريب أن هذه الآية فيها أمر وتكليف بالعبادة إجمالا بعد الأمر بها تفصيلا في موضع آخر كالأمر بالصلاة مثلا وفيها كلفة ومشقة بالنسبة إلى نوع المكلف وإن سهلت على بعضهم بكون نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها ويستلذ بسببه متاعبها ألا يرى إلى حال الواصلين يقيمون الليل كله بلا تعب بلذة الحضور مع انشراح الصدور فأزالها اللّه تعالى وجبر تلك الكلفة بلذة المخاطبة وهذا مراد المصنف ولا يريد أن العبادة كلفة ومشقة بالقياس إلى كل مكلف كيف لا وقد قال تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [ البقرة : 45 ] وبما ذكرنا من أن هذه النكتة علة للخطاب وحده دون الالتفات لتحقق تلك النكتة في الخطاب بلا التفات ظهر ضعف ما قيل « 1 » ولا يخفى أن قوله وجبر الكلفة العبادة بلذة المخاطبة أيضا من النكت التي تعود إلى السامع فيناسب أن يجمع مع الهز إلى آخر ما قاله . قوله : ( ويا حرف ) فيه رد على من قال إنه اسم فعل على ما نقل بعضهم فحينئذ يظهر فائدة الخبر بأنها حرف ( وضع لنداء البعيد ) وهذا مختار الزمخشري ورضي به المص قوله : واهتماما لأمر العبادة وجبرا لكلفة العبادة بيان لنكتتها الخاصة في هذا المقام .
--> ( 1 ) عصام .